المنجي بوسنينة
354
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
رأيت أبا عمرو أحيحة جاره * يبيت قرير العين غير مروّع ومن يأته من خائف ينس خوفه * ومن يأته من جائع البطن يشبع هذا الكلام يؤكد أنّ الشّح عند شاعرنا لم يكن يعني البخل ، ولكن يعني الحرص على جمع المال ومعرفة وجوه إنفاقه عند الحاجة إليه . هذا مع الإشارة إلى أنّ الجاحظ لم يذكر أحيحة مع بخلائه . ولم يكن أحيحة غنيّا ، وسيّد قومه وحسب ، إنّما كان أيضا رجل حرب ودهاء ، سديد الرأي ، فما قال شيئا إلّا أصاب ، ولا أعطى رأيا ينذر به إلّا حصل كما قال ، حتى زعموا أنّ له تابعا من الجنّ يوحي إليه ويعلمه بالأمور . والأخبار المروية عنه ، تثبت ذلك . أبرز ما وصل إلينا من أخباره خبر ما جرى له مع تبّع الحميري ، أسعد أبي كرب ، وعاصم بن عمرو من بني النجّار . قصد تبّع المذكور مدينة يثرب للانتقام من أهلها الذين اغتالوا ابنه ، فطلب إليه عددا من أشرافها ممّن عرفوا بالأزياد ومعهم أحيحة . أنذرهم أحيحة بأن تبّعا لم يستدعهم إلّا ليقتلهم ، فلم يصغوا إليه . أمّا هو فعمد إلى الحيلة للإفلات من تبّع واللجوء إلى أطمه الضحيان ، الحصن المنيع حيث استطاع الصمود وقتال الكتيبة التي أرسلها تبّع مدة ثلاثة أيام عادت بعدها خائبة . كان أحيحة يرميها نهارا بالنخيل والحجارة ، وليلا بالتمر والزّاد . وهكذا اضطر تبّع إلى ترك أحيحة والمدينة مكتفيا بحرق نخله ، وقتل الأزياد . ولمّا وقعت الحرب بين بني جحجبى من الأوس ، وبني مازن بن النجار من الخزرج بسبب مقتل أخي عاصم بن عمرو ، استعدّ أحيحة سرّا لمفاجأة بني النجار والفتك بهم ، وكان عاصم قد قتل أخا له ، فاحتالت عليه زوجته سلمى بنت عمرو الخزرجية ، فتدلت بواسطة حبل من الحصن ، وأحيحة نائم ، وقصدت قومها بني النجار وأخبرتهم بنية زوجها وما يبيّته لهم من شرّ . عندما هاجمهم أحيحة وجدهم مستعدين له ، فجرى بين الطرفين قتال قليل . عرف أحيحة أن زوجته هي التي أخبرتهم ، فطلّقها ، إذ كان الطلاق معروفا في الجاهلية . وكانت سلمى امرأة شريفة لا تنكح الرجل إلّا وأمرها بيدها ، إذا كرهت من رجل شيئا تركته . بعد أحيحة تزوّجها هشام بن عبد مناف ، فولدت له عبد المطلب جدّ النبيّ محمد صلى اللّه عليه وسلم . بعد تدليها من الحصن عرفت بالمتدلية . كان أحيحة شاعرا مجيدا ، ذكره أبو زيد القرشي مع أصحاب المذهبات من الأوس والخزرج ، منهم : حسّان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، ومالك بن العجلان ، وقيس بن الخطيم . وما وصل إلينا من شعره ، وشكل ديوانه قليل [ شعر أحيحة بن الجلاح ، تح . حسن باجودة ، الطائف ، نادي الطائف الأزدي ] ، كأخباره ، وموضوعاته تقليدية كالوصف ، والغزل ، والرثاء ، لا سيما رثاء ابنه ، والحكمة ، كما يتناول وقائعه ، وسعيه ، وعمله في أرضه ، والمال وأهميته وشرفه : إنّي أقيم على الزّوراء أعمرها * إنّ الحبيب إلى الإخوان ذو المال بها ثلاث بناء في جوانبها * فكلّها عقب تسقى بإقبال